ملا محمد مهدي النراقي

125

جامع السعادات

أسماعهم نحو قوله ، وألقوا أبصارهم إلى الأرض ، فقال داود : ربكم يقرؤكم السلام ، ويقول لكم : ألا تسألوني حاجة ، ألا تنادوني فأسمع صوتكم وكلامكم ؟ فإنكم أحبائي وأصفيائي وأوليائي ، أفرح لفرحكم وأسارع إلى محبتكم ، وانظر إليكم في كل ساعة نظرة الوالدة الشفيقة الرفيقة . ولما قال داود ذلك جرت الدموع على خدودهم وسبح الله كل واحد منهم ومجده ، وناجاه بكلمات تدل على احتراق قلوبهم من الحب والشوق ) . فصل معرفة الله أقوى سائر اللذات قد عرفت أن الحب هو الميل إلى الشئ الملذ الملائم للمدرك والابتهاج بإدراك الملائم ونيله ، واللذة هي نفس إدراك الملائم الملذ ونيله ، وهذا الإدراك إن كان متعلقا بالقوة العاقلة - أي إن كان المدرك هو القوة العاقلة - عبر عنه بالعلم والمعرفة ، وقد عرفت أنه أقوى وأشد وأشرف من الإدراكات الحسية التي هي الأبصار والاستماع والذوق والشم واللمس . ثم هذا الإدراك - أعني العلم والمعرفة - يختلف أيضا في الشرافة والكمال بحسب شرافة المدرك ، أي المعلوم ، فكلما كان المدرك أجل وأشرف كان الإدراك - أي المعرفة - أجل وأعلى . ولا ريب في أن الواجب - سبحانه - أشرف الموجودات وأجلها ، فالمعرفة به أعلى المعارف وأشرفها ، ويثبت من ذلك : إن أجل اللذات وأعلاها هو معرفة الله - تعالى - والنظر إلى وجهه الكريم ، ولا يتصور أن يؤثر عليها لذة أخرى إلا من حرم هذه اللذة . وبيان ذلك بوجه أوضح : أن اللذات تابعة للإدراكات ، والانسان جامع لجملة من القوى والغرائز ، ولكل قوة وغريزة لذة ، ولذاتها عبارة عن نيلها مقتضى طبعها الذي خلقت له ، فغريزة الغضب لما خلقت للتشفي والانتقام فلا جرم لذتها في الغلبة والانتقام ، وغريزة الشهوة لما خلقت لتحصيل الغذاء الذي به القوام فلا جرم لذتها في نيل الغذاء وكذلك لذة السمع والبصر والشم في الاستماع والأبصار والاستشمام ، وغريزة العقل المسماة بالبصيرة الباطنة خلقت لتعلم بها حقائق الأشياء كلها ، فلذتها في العلم والمعرفة ، والعلم لكونه منتهى الكمال وأخص صفات الربوبية ، يكون أقوى اللذات والابتهاجات